فخر الدين الرازي

59

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ولب وإصابة رأي ، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال : أمر حكيم ، أي محكم ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، قال اللّه تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [ الدخان : 4 ] وهذا الذي قاله أبو مسلم من اشتقاق اللغة يطابق ما ذكرناه من المعنى . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : قرئ ومن يؤتي الحكمة بمعنى : ومن يؤته اللّه الحكمة ، وهكذا قرأ الأعمش . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى وذلك لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية ، لأنها حاصلة للبهائم والمجانين والأطفال ، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكم ، فهي مفسرة بالعلوم النظرية ، وإن فسرناها بالأفعال الحسيّة فالأمر ظاهر ، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية والأفعال الحسية ثابتاً من غيرهم ، وبتقدير مقدر غيرهم ، وذلك الغير ليس إلا اللّه تعالى بالاتفاق ، فدل على أن فعل العبد خلق للّه تعالى . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوّة والقرآن ، أو قوة الفهم والحسيّة على ما هو قول الربيع بن أنس . قلنا : الدليل الذي ذكرناه يدفع هذه الاحتمالات ، وذلك لأنه بالنقل المتواتر ثبت أنه يستعمل / لفظ الحكيم في غير الأنبياء ، فتكون الحكمة مغايرة للنبوّة والقرآن ، بل هي مفسرة إما بمعرفة حقائق الأشياء ، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، فإن حاولت المعتزلة حمل الإيتاء على التوفيق والإعانة والألطاف ، قلنا : كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين فقد فعل مثله في حق الكفار ، مع أن هذا المدح العظيم المذكور في هذه الآية لا يتناولهم ، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الألطاف واللّه أعلم . ثم قال : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ والمراد به عندي واللّه أعلم أن الإنسان إذا رأى الحكم والمعارف حاصلة في قلبه ، ثم تأمل وتدبر وعرف أنها لم تحصل إلا بإيتاء اللّه تعالى وتيسيره ، كان من أولي الألباب ، لأنه لم يقف عند المسببات ، بل ترقى منها إلى أسبابها ، فهذا الانتقال من المسبب إلى السبب هو التذكر الذي لا يحصل إلا لأولى الألباب ، وأما من أضاف هذه الأحوال إلى نفسه ، واعتقد أنه هو السبب في حصولها وتحصيلها ، كان من الظاهريين الذين عجزوا عن الانتقال من المسببات إلى الأسباب ، وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل ، قالوا : هذه الحكمة لا تقوم بنفسها ، وإنما ينتفع بها المرء بأن يتدبر ويتفكر ، فيعرف ماله وما عليه ، وعند ذلك يقدم أو يحجم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 270 ] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 ) اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال ، ثم حث أولًا : بقوله وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ [ البقرة : 267 ] وثانياً : بقوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [ البقرة : 268 ] حيث عليه ثالثاً : بقوله وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وفي الآية مسائل :